السيد صادق الموسوي
10
تمام نهج البلاغة
وحكمته وعلمه وهدايته وإعجازه وفصاحته . إنني في الواقع أعجز في هذا الوجيز عن الحديث عن إعجاز « نهج البلاغة » وعن فضل محدثّه وجامعه ، ولا أقدر على شرح عوالمه ، عالم العرفان والعبادة . وعالم الحكمة والفلسفة ، وعالم النصح والموعظة ، وعالم الملاحم والإخبار عن المغيبات ، وعالم السياسة والمسئوليات الاجتماعية . فقد كتب العلماء والأدباء والباحثون في كل باب أسفارا منذ صدوره على يد الرضي رحمه الله قبل أكثر من ألف عام ، وأين قلم هذا الحدث الصغير من أقلام الشيوخ الكبار والفطاحل العظام . ويكفيني أن أحيل المتتبع إلى مقدمة كتاب « مصادر نهج البلاغة وأسانيده » للعالم الجليل والبحاثة المتتبع والخطيب البارع السيد عبد الزهراء الحسيني رحمه الله ، التي تضمنت ، مع جملة ما أودع الكتاب ، الكثير من الوثائق الصحيحة والشواهد الصريحة التي أبعدت الشكوك ورسخت الإيمان بصحة نسبة ما ورد في « نهج البلاغة » إلى مولانا أمير المؤمنين . فجزاه الله عن جهوده المضنية بما يجازي المحسنين من عباده الصالحين وحشره مع صاحب الحوض علي بن أبي طالب عليه السلام . والعجب من أبناء أمتنا الإسلامية اليوم في عصر انفتاح الشعوب وتقارب العقول وتبادل الأفكار أنهم غرباء عن علي عليه السلام ، وهو المشهود له بالسبق في كافة الحقول ، والعالم بكل ما وجد ويوجد من العلوم ، والخبير بما خفي عن العباقرة والفحول طوال السنين والقرون . كيف لا والشاهدون على دعوانا ليسوا من شيعته ومحبيه بل من خصومه ومناوئيه ، والمقرّون بفضله ليسوا من المسلمين بل من الكفار والمشركين . والأعجب من ذلك أن الأغلبية الساحقة ممن يدّعون أنهم شيعته لا يعرفون عن كلام إمامهم أكثر مما ورد في « نهج البلاغة » وهو القليل الذي قيل أنه لا يتعدى السدس من مجموع كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام . هذا من جهة الكمّ . أما في المضمون ، فإن الشرّاح غالبا ما اقتصروا على شرح الكلمات وترجمة الألفاظ وتهيّبوا الولوج في عالم المعنى الحقيقي حتى فترة قريبة . حيث أبان البعض منهم شيئا من بواطنه ، وأظهر نتفا من مكنونه ، وفسّر قليلا من دقائقه . فللشريف الرضي من الله تعالى خير الجزاء ، ومن الأجيال المتعاقبة جزيل الشكر والامتنان ، ولكن من اعتنى من المتقدمين والمتأخرين بحفظ وضبط وشرح هذا المختار كل الاجلال والتقدير ، وإلى كل باحث مخلص مثابر في سبيل العثور على أسانيد ومصادر الروايات لإتمام هذا المختار الجزاء الأوفى والثواب من العلي الأعلى . أما هذا السفر الجليل والعمل العظيم الذي بين أيدينا وهو المسمّى « تمام نهج البلاغة » . فإنه نتاج جهد مضن . وبحث شاق ، وتحقيق دام أكثر من خمس سنوات ، وتفتيش دقيق في المصادر التاريخية الإسلامية القديمة والحديثة ، قام به الباحث الجليل والعالم المتتبّع السيد صادق الموسوي . ولعل كثيرين لا يدركون مدى عظمة ما بين أيدينا لعدم معرفتهم بحال الوثائق التاريخية التي في حوزتنا اليوم ، خصوصا ما يتعلق بآثار آل بيت النبوة وأهل العصمة والطهارة ، وعلى الأخص ما ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام .